نظرا إلى أهمية الأسس النفسية والتربوية في التعليم، فإنّه كلما كانت البرامج التعليمية موضوعة على أسس نفسية وتربوية واضحة كلما كان التعليم أكثر جودة، وكان التعلم لدى المتعلمين أكثر يسرا. فلذا نمكن أن نطرح هذا السؤال: ما الأسس النفسية والتربوية لتعليم العقيدة والإيمان للأطفال؟
الأساس الأول: فطرية الإيمان والتعامل بيقين مع الطفل على أساس أنّ الله عزّ وجلّ موجود ولا شك فيه
يتبين من القرآن الكريم أنّ الناس بصورة عامة مهيؤون فطريا للإيمان بأنّ الله هو ربهم، قال الله عزّ وجلّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون (173)}[الأعراف: 172 – 173]. وقال ابن عاشور في تفسيره وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ مِن وقْتِ تَكْوِينِهِ إدْراكَ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ، وجَعَلَ في فِطْرَةِ حَرَكَةِ تَفْكِيرِ الإنْسانِ التَّطَلُّعَ إلى إدْراكِ ذَلِكَ وتَحْصِيلِ إدْراكِهِ إذا جَرَّدَ نَفْسَهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى فِطْرَتِهِ فَتُفْسِدُها (ابن عاشور، دت).
بصرف النظر عن الثقافة ودون الحاجة إلى التلقين أو الإملاء القسري، فإنّ الأطفال يكبرون مع نزعة للبحث عن معنى ومغزى وفهم لمحيطهم. وبمنحهم المجال لذلك فإنّ عقولهم تتطور وتنمو بشكل طبيعي، ويوصلهم هذا البحث في النهاية إلى الإيمان بعَالَم مُصمَم بدقة وبشكل هادف. وأنّ صانعا ذكيا يقف وراء هذا التصميم، ويقودهم إلى افتراض أنّ هذا الصانع المقصود مطلق القدرة، واسع العلم والمعرفة، واسع الإدراك وسرمدي الخلود. وإنّ هذا الصانع ليس في حاجة ليكون مرئيا أو متجسدا كالبشر، ويربط الأطفال بسهولة هذا الصانع بمبادئ الخير وبكونه واضع القيم الأخلاقية. وإنّ هذه الملاحظات والاستنتاجات تفيد في فهم سبب كون الإيمان بالآلهة بهذا المفهوم العام منتشرا بشكل واسع عبر الثقافات وعبر التاريخ ).
الأساس الثاني: التعامل بيقين مع الطفل على أساس أنّ الله عزّ وجلّ موجود ولا شك فيه
يشير بعض الباحثين إلى أنّ فوضى الأفكار التي لدينا، نحن الكبار، حول الظاهرات الكبرى (ومنها الله تعالى) ناتجة من الفوضى الأولى في حياتنا ونحن أطفال، يوم كنّا نتلقى أجوبة أضعف من أسئلتنا ومعلومات أقل من قناعاتنا (إبراهيم، 2014).
لقد كشفت بعض الدراسات النفسية التي أجريت في هذا المجال أنّ قابلية الأطفال لتعلم العقيدة والإيمان موجودة، ولكنها تتطلب التعامل بثبات ويقين أثناء تعليمها، لأنّ التعامل بثبات ويقين مع الأطفال كفيل بإكسابهم القناعات بالعديد من المفاهيم في حياتهم، فمثلا نلاحظ أنّ الأطفال حاليا مقتنعين بأنّ هناك جراثيم وهناك أكسجين مع أنّهم لم يروا الجراثيم ولا الأكسجين، ولكن تلك القناعة نتجت من ملاحظتهم للقناعات الموجودة لدى الكبار بهذه الأشياء، ولو تعامل الآباء معهم بثبات عن الغيبيات العقدية المتعلقة بالإيمان لوجدت قبولا وثباتا لديهم (باريت، 2017).
لقد توصل كل من هاريس وكونج (Harris & Koenig, 2006) في دراستهم عن كيفية اكتساب الثقة المعرفية من خلال تعلم العلم والدين لدى الأطفال إلى اعتماد اكتساب الأطفال للعديد من المفاهيم على شهادة أشخاص آخرين بدلًا من الملاحظة المباشرة. فعلى سبيل المثال نلاحظ أنّ الأطفال يتعلمون أنّ العمليات العقلية تعتمد على الدماغ، وأن الأرض كروية مع أنهم لم يروا هذه المفاهيم حسيا!!.
إنّ فهم الأطفال لقدرات الله الخاصة والحياة الآخرة يُظهر أنّ قبولهم لشهادة الآخرين يمتد إلى ما هو أبعد من المجال التجريبي. وهكذا، يبدو أنّ الأطفال يتصورون الكيانات العلمية والدينية غير القابلة للملاحظة بشكل مماثل، نظرا للثقة التي يجدونها عند الكبار.
لقد لاحظ الباحثان ظهور اختلاف في الثقة بين المعارف الدينية والعلمية لدى بعض البالغين، بحيث كانت الثقة في المعرفة العلمية أعلى من الثقة في المعرفة الدينية! وأرجعوا ذلك إلى نمط التعامل معهم بشأن إكساب تلك المعارف منذ الطفولة، وربما يكون ذلك بسبب وجود نمط مختلف من الخطاب يحيط بالكيانات العلمية مقارنة بالكيانات الدينية، ولذلك فإنّ تقديم المعارف المتعلقة بالعقيدة والإيمان ينبغي أن يتم بثقة وثبات.
نلاحظ في التوجيه القرآني أنّ لقمان الحكيم تعامل مع ابنه باعتباره مدركا لوجود الله وربوبيته له، وحذره من الشرك بالله، باعتبار أنّ وجود الله معلوم وثابت ولا شك فيه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان:13].
الأساس الثالث: التبكير في تعليم العقيدة؛ ابدأ مبكرا بتعليم صفات الله
تفيد الدراسات النفسية بأنّه يمكن للأطفال أن يتعلموا العقيدة والإيمان بصورة صحيحة منذ وقت مبكر، فعند الثالثة من العمر يمكنك أن تعلمهم الصفات الإلهية مثل العلم المطلق والأبدية والخيرية الشاملة، ولكن عليك أن تتجنب اللغة المجردة والمعقدة (باريت، 2017، ص 293) ، فعلى سبيل المثال وبدلا من الإخبار المجرد للأطفال عن قدرة الله على رؤية وسماع كل شيء، أعطهم ألعابا تجعلهم يخمنون مقارنة بين ما يمكن أن يراه ويسمعه الله بمقابل ما يراه ويسمعه الإنسان والحيوانات المختلفة، فيمكن أن يتم إحضار صندوق صغير ومغلق ولا يمكن أن يرى ما بداخله، وسؤالهم: هل يمكن أن ترى ما بداخل هذا الصندوق؟ أو هل يمكن لأخيك أن يرى ما بهذا الصندوق؟ أو هل يمكن للحيوان الأليف أن يرى ما بهذا الصندوق؟ وعندما تتضح الإجابة المقنعة للأطفال بأنّ كل أولئك لا يمكن أن يروا ما بداخل الصندوق يمكنك أن تسألهم بعد ذلك: هل الله تعالى يمكن أن يرى ما بهذا الصندوق؟ وستجد أنّ اتجاه إجابة الأطفال ستكون بالإيجاب، وهنا ما عليك إلا أن تعزز هذه الإجابة لأنّها تتفق مع التكوين الفطري للطفل.
اعتمادا على هذه الطريقة غير المجردة يمكنك أن تسأل الأطفال عن النظام في الكون من خلال ما يرونه من شروق وغروب وانتظام في تعاقب الليل والنهار، وتسألهم عن الذي يقف وراء هذا النظام؟ هل هو من الأشخاص الموجودين معهم أم هو الله؟ ستجد الإجابة تتجه لأن تكون هو الله تعالى، وهنا عليك أن تعزز هذه الإجابة وتدعو الطفل لذكر مزيد من الأمثلة التي يتضح له فيها النظام الكوني الذي يقف وراءه الله تعالى مما يدل على قدرته وحكمته سبحانه وتعالى.
نلاحظ في سورة يوسف أنّ يعقوب عليه السلام عندما خاطب ابنه يوسف وهو ما زال طفلا ليعبر له الرؤيا التي رآها أنّه قد بشره بأنّ الله تعالى سوف يجتبيه ويعلمه تأويل الأحاديث وأنّ الله عليم حكيم، وأنّ هذا يدل على أنّه تعامل مع الموضوع على أساس وجود الخالق، وكذلك وجود القناعة التكوينية المسبقة بوجود الله عزّ وجلّ لدى فهم يوسف عليه السلام عندما كان طفلا. فقال له مباشرة: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم} [يوسف: 6].
الأساس الرابع: لا تعزل أفعال الله عن الأسباب في كيفية عمل الأشياء
توجد قناعة فطرية لدى الأطفال بأنّ الأشياء لا تعمل لوحدها، وإنّما هناك قوى أخرى تؤثر فيها، وهذه القوى سماها بعض علماء النفس بالقوى الفاعلة، وقد أفادت الدراسات التي أجريت على الأطفال أنّ عقول الأطفال تنجذب إلى محاولة معرفة كيفية عمل الأشياء وكيفية تشكل العلاقات السببية، وقد أشار (باريت، 2017) إلى أنّ الأطفال منذ عمر ثلاث أو أربع سنوات يفرقون بدقة بين الواقع والخيال، ولذلك فإنّ تضمين القوى والعوامل الفاعلة في علاقات السبب والنتيجة من أنواع التفكير المنطقي ستلفت انتباه الأطفال تماما، ولذلك عندما نتحدث مع الأطفال بأنّ الجراثيم هي التي تسبب الأمراض، وأنّ الدواء هو الذي يحقق الشفاء، فإنّهم يمكن أن يتقبلوا بكل أريحية بأنّ الله هو الذي يشفي المرضى، لأنّ الله هو الذي خلق لنا الدواء.
بهذه الطريقة فإنّ الحديث عن أفعال الله يمكن أن تكون موجودة في سياقات حقيقية ملموسة لدى الأطفال، ضمن مبدأ السبب والنتيجة، وإنّ إعلاء الآباء لربوبية الله تعالى وحثهم على تلمس أفعاله في حياة الأطفال ستكون مقبولة جدا، وقد ورد في الحديث النبوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ”. (الترمذي).
المصدر: وكالات
بدت الأجواء كرنفالية؛ حيث صاحبت تعليق الفانوس الضخم عروض استعراضية ، وزين أحد جوانبه بكلمة فلسطين.
في لحظات الفقد الكبرى، يظهر الأطفال بصورتهم البريئة وهم يعبرون عن مشاعرهم بأسلوب صادق ومؤثر..
كنا الأطفال الوحيدين في قاعة تعجّ بالعلماء والرجال والضيوف من خارج لبنان
2025 © جميع الحقوق محفوظة لموقع أمان الأطفال